مقدمة: الرد على الإلحاد المعاصر
هل تدحض الحجج الفلسفية للإلحاد المعاصر الإيمان المسيحي؟ الجواب المختصر: لا، لكنها ليست حججًا هينة يمكن تجاوزها بابتسامة واثقة. أقوى ما يطرحه الملحدون المعاصرون، وهو مشكلة الشر، والاعتراض بأنه «لا دليل على وجود الله»، والتساؤل عن مصدر الأخلاق، أسئلة جادة تستحق جوابا جادا. وعند فحصها بإنصاف لا تقود إلى نفي وجود الله، وبعضها يجد في المسيحية جوابًا لا يجده في موضع آخر: إله لم يكتفِ بتفسير الألم من بعيد، بل دخل العالم وتألم فيه.
لماذا يهمنا هذا الآن؟ لأن كثيرين يلتقون بالإلحاد اليوم لا في قاعات الفلسفة بل في مقطع قصير على الهاتف أو في نقاش على الإنترنت. شاب مؤمن يسمع سؤالًا مثل «من خلق الله؟» فلا يعرف كيف يجيب، فيفترض أن لا جواب له. وآخر يتألم بصدق، فتتحول أسئلته الموجعة إلى شكّ لا يجد من يصغي إليه. ومن الناحية الأخرى، هناك ملحدون وباحثون جادون يتمنون أن يقرأوا ردا مسيحيا يعرض حججهم كما هي، لا كما يحبّ المدافع أن تكون.
يحاول هذا المقال أن يكون هذا النوع من الردود. سنعرض كل حجة بأقوى صيغة يعرضها بها أصحابها، ثم نفحص مقدماتها، ثم نرد. وسنحرص على التمييز بين ثلاثة مستويات: ما يقوله الكتاب المقدس نصا، وما يمكن استنتاجه بالعقل، وما هو تفسير لاهوتي يختلف فيه المسيحيون أنفسهم. أما الاقتباسات الكتابية فمن ترجمة فاندايك.
ماذا نعني بـ«الإلحاد المعاصر»؟ وكيف نقرأه نقديًا؟
الإلحاد في أبسط تعريف هو الاعتقاد بأنه لا يوجد إله. لكن تحت هذه المظلة أنواع من الناس تختلف أسئلتها اختلافًا كبيرا، ومن الإنصاف أن نميّز بينها.
النوع الأول هو ما يسمى «الإلحاد الجديد»، وهي حركة شعبية ازدهرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حول أربعة كتّاب بارزين: سام هاريس («نهاية الإيمان»، 2004)، وريتشارد دوكينز («وهم الإله»، 2006)، ودانيال دنيت («كسر التعويذة»، 2006)، وكريستوفر هيتشنز («الله ليس عظيمًا»، 2007). يتميز هؤلاء بنبرة حادة، وبقناعة بأن الدين ليس خطأً فكريًا فحسب بل ضرر أخلاقي أيضًا.
النوع الثاني هو الإلحاد الفلسفي الأكاديمي، وأسماؤه أقل شهرة بين العامة وأثقل في ميزان الفلسفة، مثل جون ماكي وويليام رو وجون شلنبرغ. هؤلاء نادرًا ما يسخرون من المؤمنين، ويقدّمون حججًا دقيقة يصعب تجاهلها. وقد أشار مقال في مجلة Christianity Today إلى أن الفلسفة الأكاديمية الغربية شهدت منذ أواخر الستينيات ما وصفه الملحد كوينتين سميث بـ«نزع العلمنة»، بفضل أعمال ألفين بلانتينغا وغيره، وهذا يعني أن المؤمن المثقف لم يعد في موقع الدفاع الخجول.
والنوع الثالث هو اللاأدرية، أي القول «لا أعرف»، وهو في الدقة ليس إلحادًا وإن اختلط به كثيرًا في الحديث العام. وبعض الناس يقتربون من الإلحاد لا بسبب حجة بل بسبب جرح: ألم لا يجد تفسيرًا، أو خيبة من متدينين أساؤوا التمثيل، أو شعور بأن أسئلتهم غير مرحّب بها. وهذا يعني أن الرد الجيد يحتاج إلى عقل وقلب معًا.
أما «القراءة النقدية» فلها ثلاثة مبادئ. الأول أن نعرض الحجة بأقوى صيغتها، لأن هزيمة نسخة ضعيفة من الحجة لا تدلّ على شيء. والثاني أن نعترف بما فيها من حق، فإنكار كل ما يقوله الخصم يضعف المصداقية. والثالث أن نفحص المقدمات: كل حجة تقوم على مقدمات، والسؤال هو: هل هي صادقة؟ وهل تلزم عنها النتيجة؟
وهذا يوافق وصية الكتاب المقدس: «مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعة وخوف» (1 بطرس 3: 15). الوداعة هنا ليست زينة في الأسلوب، بل جزء من الشهادة. وقد يُستشهد بقول بولس: «انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل» (كولوسي 2: 8) ضد كل تفكير فلسفي، لكن سياق الآية يتحدث عن تعليم معيّن كان يهدد كنيسة كولوسي، لا عن التفكير العقلي في ذاته. ولهذا نرى بولس نفسه يحاور فلاسفة أثينا في أريوس باغوس ويقتبس من شعرائهم (أعمال 17: 22–31).
«لا دليل على وجود الله»: عبء الإثبات والعلم
الحجة. أشهر صيغة شعبية لهذه الحجة هي «إبريق راسل». كتب برتراند راسل عام 1952 مقالة تقول إنه لو زعم أحد أن إبريق شاي صغيرًا يدور حول الشمس بين الأرض والمريخ، وهو أصغر من أن تراه أقوى التلسكوبات، فلا يحق له أن يطلب منا تصديقه لمجرد أننا لا نستطيع إثبات عدم وجوده. العبء على من يدّعي لا على من ينفي. ويخلص أصحاب هذه الحجة إلى أنه إذا لم يوجد دليل كافٍ على الله، فالموقف العقلاني هو عدم الإيمان. وكثيرًا ما يضيف الملحدون أن «الدليل» المقصود هو الدليل العلمي القابل للاختبار.
ما فيها من حق. المبدأ نفسه سليم: من يدعي شيئًا عليه أن يقدم سببًا. ولا يحق للمؤمن أن يتهرّب بقوله «لا يمكنك أن تثبت أن الله غير موجود». وعلينا أن نعترف أيضًا بأن بعض المؤمنين يؤمنون بلا فحص، وأن الإيمان الذي لا يتحمل السؤال هشّ.
الفحص. هناك أربع ملاحظات.
أولًا، العبء مشترك. عبارة «لا يوجد إله» ادعاء بحد ذاتها، ومن يقولها يتحمل جزءًا من المسؤولية. أما من يقول «لا أرى سببًا كافيًا للإيمان» فهو يتحدث عن حالته الذهنية، وهذا وصف لا حجة، ولا يدحض شيئًا في ذاته.
ثانيًا، التشبيه بالإبريق لا يستقيم. الإبريق كائن تافه لا وظيفة له في تفسير شيء، ولا سبب لتوقع وجوده. أما الله فهو في الفهم المسيحي والفلسفي التقليدي الجواب المقترح عن أسئلة كبرى: لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟ لماذا الكون منتظم ويمكن فهمه بالرياضيات؟ لماذا يوجد كائنات تفكر وتحكم أخلاقيًا؟ والدليل على جواب كهذا ليس صورة من تلسكوب، بل تراكم قرائن يُنظر في قوتها مجتمعةً.
ثالثًا، حين يُطلب «الدليل العلمي» وحده فنحن أمام ما يُسمّى «العلموية» (Scientism)، أي الاعتقاد بأن العلم الطبيعي هو الطريق الوحيد إلى المعرفة. المشكلة أن هذه العبارة نفسها لا يمكن إثباتها علميًا بمختبر أو تجربة. فهي تهدم نفسها. والعلم ذاته يفترض أمورًا لا يستطيع أن يبرهن عليها: أن الطبيعة منتظمة، وأن عقولنا جديرة بالثقة في فهمها، وأن الرياضيات تصف الواقع. وحتى الفيلسوف الملحد توماس ناغل أبدى في كتابه «العقل والكون» (2012) شكّه في أن التفسير المادي وحده يكفي لتفسير الوعي والعقل.
رابعًا، لا بد من التمييز بين «الطبيعانية المنهجية» و«الطبيعانية الميتافيزيقية». الأولى منهج مفيد في العلم: ندرس الظواهر بأسبابها الطبيعية. والثانية ادعاء فلسفي بأنه لا يوجد شيء آخر. الأولى لا تستلزم الثانية. وقد كان كبلر وبويل ونيوتن، من مؤسسي العلم الحديث، مؤمنين، ورأوا في دراستهم للطبيعة دراسة لعمل الخالق.
يقول المزمور: «السماوات تحدّث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه» (مزمور 19: 1)، ويقول بولس: «لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركةً بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته» (رومية 1: 20). هذا ما يعلنه الكتاب المقدس صراحة: أن الخليقة تشير إلى خالق. أما كون هذه الإشارة مقنعة لكل إنسان فمسألة أخرى، وللمفسرين تقديرات مختلفة لما تعنيه عبارة «بلا عذر» في الآية نفسها. المهم أن الكتاب لا يطلب الإيمان بلا نظر، بل يدعو إلى النظر.
وعلينا أن نكون صادقين في حدود هذا الجواب: ما سبق لا يثبت المسيحية، لكنه يكفي لإسقاط الادعاء بأن الإيمان بالله بلا أي سند عقلي.
«من خلق الله؟»: هل تسقط فكرة الخالق؟
الحجة. في كتابه «وهم الإله» يعرض دوكينز اعتراضًا يراه حاسمًا: إذا قلنا إن الكون المعقد يحتاج إلى مصمم، فالمصمم نفسه لا بد أن يكون معقدًا، ومن ثم يحتاج إلى مصمم، وهكذا إلى ما لا نهاية. فلا تفسّر فكرة الله شيئًا، بل تؤجّل السؤال فقط. وقد يصوغها الناس العاديون ببساطة: «إذا كان لكل شيء خالق، فمن خلق الله؟»
ما فيها من حق. هذا سؤال طبيعي يطرحه كل ذهن يبحث عن تفسير، ولا يستحق أن يُقابل بالاستخفاف. ونقطة القوة فيه أنه يختبر هل كان المؤمن يفكر في مفهوم الله بدقة.
الفحص. الاعتراض يفترض أن المقدمة العامة هي «كل شيء يحتاج إلى خالق». لكن المسيحي لم يقل ذلك قط. قال: كل ما بدأ وجوده، أو كان وجوده ممكنًا غير ضروري، يحتاج إلى سبب. والله ليس كائنًا ضمن سلسلة المخلوقات، بل هو الأزلي الذي بلا بداية. وهذا ما يشير إليه الكتاب: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان» (يوحنا 1: 1–3). وحين سأل موسى عن اسمه أجابه: «أهيه الذي أهيه» (خروج 3: 14)، أي الكائن بذاته لا بغيره.
وهذا الجواب ليس حيلة لوقف السؤال. فكل تفسير نهائي يتوقف عند نقطة ما: إما أن نقول إن الكون ذاته هو الواقعة الأخيرة التي لا تفسير لها، وإما أن نقول إن هناك كائنًا ضروريًا يفسر الباقي. السؤال الصحيح إذن ليس «من خلق الله؟» بل: أي نقطة توقف أكثر معقولية؟ ومن الأدلة التي يطرحها المؤمنون هنا «الحجة الكونية» (Cosmological Argument)، ومنها صيغة «الكلام» التي ينشرها اليوم ويليام لين كريغ، وتقوم على أن كل ما بدأ له سبب، وأن الكون بدأ، فله سبب. وهذه حجة فلسفية لا نصّ كتابي، وقد يختلف المؤمنون في تقدير قوتها.
ثم إن فرضية دوكينز بأن المصمم لا بد أن يكون أعقد من مخلوقه تقيس الله بمقياس الأجسام المركّبة، أي الكائنات المؤلفة من أجزاء تحتاج إلى تفسير لتجمّعها. أما اللاهوت الكلاسيكي المسيحي فيقول إن الله ليس مركبًا من أجزاء، وهو ما يُسمّى «بساطة الله» (Divine Simplicity). وبمعزل عن اختلاف المفكرين المسيحيين في تفاصيل هذه العقيدة التقنية، فالنقطة هي أن الاعتراض يفترض مفهومًا عن الله لا يؤمن به المسيحيون أصلًا. وهنا تظهر قيمة مبدأ القراءة النقدية: الحجة تصيب «إلهًا» ليس هو إله المسيحية.
وليس معنى هذا أن السؤال انتهى. فهذا الجواب يدفع الاعتراض، لكنه لا يثبت وحده أن الله موجود. هو يبيّن فقط أن فكرة الخالق غير المخلوق ليست متناقضة ولا ذات مقدمات عشوائية.
مشكلة الشر: أقوى حجة وأعمق جواب
الحجة. إن كان للإلحاد المعاصر سلاح واحد يثقل الميزان فهو هذا. تُنسب الصيغة القديمة للمشكلة إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور (وفي نسبتها إليه بهذه الصياغة جدل بين الباحثين)، وأعاد ديفيد هيوم صياغتها في القرن الثامن عشر. أما الصياغة الحديثة المحكمة فتعود إلى جون ماكي في مقاله «الشر وقدرة الله المطلقة» (1955): الله قادر على كل شيء، وصالح كليًّا، ومع ذلك يوجد شر. وتبدو هذه القضايا الثلاث غير قابلة للاجتماع.
ثم جاء ويليام رو عام 1979 بصيغة تبدو أخف وهي في الواقع أثقل، تُعرف بالاعتراض «الاحتمالي» (Evidential). مثاله ظبي صغير تحرقه نار غابة اشتعلت بصاعقة، فيتعذب أيامًا قبل أن يموت وحيدًا. لا يبدو أن في ذلك خيرًا يبرره. فإذا كان في العالم ألم كهذا بلا مبرر ظاهر، فالأرجح أنه لا يوجد إله صالح قادر.
ما فيها من حق. لا يستطيع مؤمن صادق أن يمر على هذه الحجة مرور الكرام. الألم حقيقي، وبعضه يبدو بلا معنى. والكتاب المقدس نفسه مليء بصرخات من لم يجدوا جوابًا: «حتى متى يا رب؟» (مزمور 13: 1–2). وأي رد يتجاهل جرح المتألم، أو يسارع إلى تقديم «حكمة» جاهزة، رد فاشل ومؤذٍ.
الفحص. نبدأ بالصيغة المنطقية. الادعاء بأن هذه القضايا الثلاث لا تجتمع يحتاج إلى مقدمة خفية: أن الإله الصالح القادر لا بد أن يزيل كل شر فورًا مهما كان الخير الذي قد يتحقق به. وقد بيّن ألفين بلانتينغا في كتابه «الله والحرية والشر» (1974) أن هذه المقدمة غير مسلَّم بها. فمن الممكن على الأقل أن يكون الله قد خلق كائنات حرّة، وأن عالمًا فيه كائنات تختار الخير بحرية أثمن من عالم فيه آلات مبرمجة. لكن الحرية الحقيقية تعني إمكان اختيار الشر، ولا يستطيع الله أن يضمن اختيار الخير دون أن يُلغي الحرية نفسها. ولكي تسقط الحجة المنطقية يكفي أن يكون هذا ممكنًا، لا أن يكون صحيحًا. وقد أقرّ رو نفسه، وهو ملحد، بأن أحدًا لم ينجح في إثبات استحالة الجمع المنطقي بين الله والشر، ولهذا انتقل النقاش في العقود الأخيرة إلى الصيغة الاحتمالية.
لكن الإرادة الحرة لا تفسر الزلازل والسرطان. هنا يعرض الكتاب المقدس صورة لخليقة كانت «حسنة جدًّا» (تكوين 1: 31) وهي الآن «تئن وتتمخض معًا إلى الآن» (رومية 8: 22)، أي أن الاضطراب الطبيعي مرتبط عنده بخلل أصاب الخليقة. غير أن المسيحيين يختلفون اختلافًا واسعًا في كيفية فهم ذلك، وفي علاقته بتكوين 3 وبعمر الكون وبالقوى الروحية، ولا يوجد إجماع في هذه التفاصيل. واقترح الفيلسوف جون هيك أن عالمًا فيه تحديات حقيقية يتيح نمو الشخصية («صناعة الروح»). يجد كثيرون في هذا الاقتراح عزاءً في بعض أنواع المعاناة، ويعترض آخرون بأنه لا يفسر ألم الأطفال والحيوانات. والموقف الصادق أن أيًّا من هذه النظريات لا يدّعي تفسير كل حالة على حدة.
أما الصيغة الاحتمالية فتنتقل من «لا أرى مبررًا لهذا الألم» إلى «لا مبرر له». وهذا الانتقال قوي فقط إذا كنا نتوقع أن نرى المبررات لو وُجدت. لكن إن كان الله موجودًا وفهمه يفوق فهمنا بما لا يُقاس، فتوقعنا هذا مشكوك فيه. فالطفل في عيادة الطبيب لا يرى سبب الإبرة، وهذا لا يعني أن لا سبب لها. ويسمي الفلاسفة هذا الموقف «الشكّ الإيماني» (Skeptical Theism). وهو، بصراحة، قد يبدو باردًا، وللنقاد وجه حين يقولون إنه يبالغ: إن عجزنا عن تقدير المبررات، فبأي حق نحكم على شيء؟ ولذلك لا ينبغي أن يقوم الجواب المسيحي عليه وحده.
والكتاب المقدس لا يجيب عن الشر بنظرية فقط. في سفر أيوب يطالب أيوب بجواب، وحين يتكلم الله (الإصحاحات 38–41) لا يشرح له سبب ألمه. ونحن القرّاء نعرف المشهد السماوي في الإصحاحين الأولين، أما أيوب فلم يعرفه قط. ما ناله هو لقاء: «بسمع الأذن قد سمعتك والآن رأتك عيني» (أيوب 42: 5). والمفاجأة أن الله يوبّخ الأصدقاء الثلاثة الذين قدموا تفسيرات مرتبة لألمه، ويقول إنهم لم يتكلموا بالصواب عنه كما تكلم أيوب (أيوب 42: 7). والمسيح نفسه رفض المعادلة البسيطة «الألم عقاب»، حين سأله تلاميذه عن الأعمى: من أخطأ؟ فنفى أن يكون السبب خطيئة هذا أو والديه (يوحنا 9: 1–3).
ثم تأتي الخصوصية المسيحية. ليست الصليب حجة منطقية، لكنه يغيّر شكل السؤال. يعلن الإيمان المسيحي أن الله لم يُجب عن الألم بمحاضرة من بعيد. بكى يسوع عند قبر لعازر (يوحنا 11: 35)، مع أنه كان على وشك أن يقيمه. وهو «محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن» (إشعياء 53: 3). وفي رسالة فيلبي يُقدَّم تنازله: أخلى نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب (فيلبي 2: 5–8). وعلى الصليب صرخ: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» (متى 27: 46). فمن يسأل: «هل يعرف الله ما معنى أن أتألم؟» يجد جوابًا لا يجده في أي تصور آخر لله: عرف، وبثمن. ولا ينتهي الأمر هنا. فالقيامة وعد بأن الشر ليس الكلمة الأخيرة: «سيمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤيا 21: 4)، وآلام الزمان الحاضر «لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا» (رومية 8: 18).
وهناك نقطة أخيرة تخص الاعتراض نفسه. فحجة الشر تفترض أن شيئًا ما خطأ حقًّا، وأن معاناة الظبي كان يجب ألا تكون. يروي سي. إس. لويس في «المسيحية المجردة» أن إلحاده كان قائمًا على قسوة الكون وظلمه، ثم سأل نفسه: من أين جاءت فكرة العدل والظلم؟ فإن كان الكون مادة فحسب، فالألم مجرد ما يحدث. هذا لا يلغي المشكلة، فللملحد أن يقول إننا نشعر فعلًا بالخطأ، لكنه يُظهر أن حجة الشر ليست محايدة: إنها تفترض نظامًا أخلاقيًّا يحتاج هو الآخر إلى تفسير. وهذا ما ننتقل إليه الآن.
وكلمة عملية قبل ذلك: من يجلس مع إنسان متألم لا يحتاج أولًا إلى حجة بل إلى حضور. «بكاءً مع الباكين» (رومية 12: 15) تسبق كل فلسفة.
هل تحتاج الأخلاق إلى إله؟
الحجة. يقول الملحدون أولًا إن من البديهي أن غير المؤمنين يمكن أن يكونوا صالحين، وإن الزعم بأن الأخلاق تنهار بلا الله إهانة وخطأ. ويقولون ثانيًا، بحجة أدق، إن فكرة الأخلاق الإلهية تقع في «معضلة أوثيفرو». سأل سقراط في حوار أفلاطون: هل يحب الآلهة التقيَّ لأنه تقيّ، أم هو تقيّ لأن الآلهة تحبه؟ وصيغتها الحديثة: هل الشيء صالح لأن الله أمر به؟ إذن الأخلاق تعسفية، ولو أمر الله بالقسوة لصارت صالحة. أم أمر الله به لأنه صالح؟ إذن الصلاح مستقل عن الله، والله غير لازم للأخلاق.
ما فيها من حق. المسيحية لا تقول إن غير المؤمنين أشرار. يكتب بولس أن الأمم الذين ليس عندهم الناموس يفعلون بالطبيعة ما هو في الناموس، وأنهم يُظهرون «عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم» (رومية 2: 14–15). وكل إنسان خُلق على صورة الله: «فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه» (تكوين 1: 27). ومن عرف ملحدًا طيّب القلب أمينًا يعرف ذلك. وإنكاره يضر بمصداقية الشهادة. كما أن هاجس التعسف حقيقي في بعض صيغ «نظرية الأمر الإلهي».
الفحص. المعضلة تفترض خيارين فقط، وثمة خيار ثالث. أوامر الله ليست تعسفية، ولا مستمدة من معيار فوقه، بل تعبّر عن طبيعته هو، والطبيعة الإلهية هي معيار الصلاح. هذا ما قالت به تقاليد طويلة منذ أوغسطينوس وتوما الأكويني: الصلاح ليس أمرًا خارج الله، ولا شيئًا يُعلنه بمرسوم، بل هو ما هو عليه. والكتاب المقدس يتكلم هكذا: «كونوا قديسين لأني أنا قدوس» (1 بطرس 1: 16)، فالدعوة إلى القداسة قائمة على الشخصية لا على مجرد أمر. أما السؤال: «لو أمر الله بالقسوة؟» فكسؤال: «لو كان للمثلث أربعة أضلاع؟» يفترض إلهًا ليس هو الله. فالإله الصالح لا يأمر بما يناقض طبيعته.
والسؤال الحقيقي إذن ليس: هل يستطيع الملحد أن يكون صالحًا؟ فنعم. بل: ما الذي يؤسس الواجب الأخلاقي الموضوعي والكرامة المتساوية للإنسان؟ إن كان الحس الأخلاقي نتاجا لعمليات تطورية شكّلت السلوك من أجل البقاء، فهذا يفسر لماذا نشعر بالأخلاق، لا هل هي صحيحة. فقد تكون مشاعر نافعة وهمية. ودوكينز نفسه يختم «الجين الأناني» بدعوة إلى التمرد على المستنسِخات الأنانية، فهو يعامل بعض القيم على أنها ملزِمة فوق ما أنتجته الطبيعة. لكن من أين يأتي هذا «يجب»؟ ويرى سام هاريس في «المشهد الأخلاقي» (2010) أن العلم قادر على تحديد القيم بقياس رفاهية الإنسان، ويجيب النقاد بأن «يجب تعزيز الرفاهية» مقدمة أخلاقية لا يعطيها العلم. وللإنصاف، يدافع فلاسفة ملحدون جادون عن واقعية أخلاقية بلا الله، ومنهم إريك فيلينبرغ في «القيمة والفضيلة في كون بلا إله» (2005)، إذ يرى أن الحقائق الأخلاقية قائمة بذاتها وضرورية. ويرد المؤمنون بأن إلهًا شخصيًّا صالحًا موطن أنسب لها من حقائق غير شخصية، لكن هذا ادعاء بالملاءمة لا برهان منطقي.
وتضيف المسيحية أن كرامة كل إنسان مؤسَّسة على صورة الله فيه، لا على قدرته أو نفعه. وهذا يهم كثيرًا حين نتكلم عن المعوَّق والجنين والعدو.
هل الدين سبب العنف؟
الحجة. عنوان كتاب هيتشنز الفرعي يقول إن الدين «يسمّم كل شيء». ويرى هاريس ودوكينز أن الدين مصدر رئيسي للعنف، وأن عالمًا بلا دين أكثر سلمًا.
ما فيها من حق. لا بد من الاعتراف: الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، والتنصير القسري، وحروب الدين في أوروبا مثل حرب الثلاثين عامًا (1618–1648)، واستعمال نصوص كتابية للدفاع عن الاسترقاق. والتظاهر بغير ذلك يضر بالشهادة. وما في العهد القديم من نصوص الحرب نصوص عسيرة يختلف المفسرون في قراءتها، وتستحق مقالًا مستقلًا، وحسبنا هنا أن القرّاء الجادين يصارعونها ولا يتجاهلونها.
الفحص. في الجواب ثلاث نقاط.
الأولى أن نقيس التعليم لا السلوك وحده. ماذا يأمر المؤسس؟ قال يسوع: «أحبوا أعداءكم» (متى 5: 44)، وقال لبطرس: «رد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (متى 26: 52). فحين يقتل مسيحيون باسمه فهم يناقضونه لا يطيعونه. قد يُقال إن هذه مغالطة «الاسكتلندي الحقيقي»، والجواب: لا ننفي أنهم مسيحيون، بل نقول إنهم غير أمناء لتعليمهم، والحكم بمعيار هذا التعليم مشروع. وكثيرًا ما كان مسيحيون من أشد المنتقدين لهذه التجاوزات، كما في حملة ويليام ويلبرفورس الإنجيلي لإلغاء تجارة الرقيق. ولا يصح أن نعدّ جانبًا واحدًا من الحساب.
والثانية أن العنف ليس حكرًا على الدين. ففي القرن العشرين ارتكبت أنظمة ملحدة رسميًّا مجازر واسعة، كالاتحاد السوفييتي في عهد ستالين والصين في عهد ماو. والخلاصة الصادقة ليست أن الإلحاد يسبب العنف، فهذا ادعاء ضعيف مثل سابقه، بل أن الأيديولوجيات كلها، دينية وعلمانية، يمكن أن تُسخَّر لخدمة السلطة. ويرى وليام كافاناه في «أسطورة العنف الديني» (2009) أن تقسيم الصراعات إلى «دينية» و«علمانية» أقل وضوحًا مما يُظن. والتشخيص الكتابي يضع الجذر في القلب: «لأن من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة» (مرقس 7: 21).
والثالثة أنه لو صحّت المقدمة كلها فهي لا تقول شيئًا عن وجود الله. إساءة استعمال عقيدة نقد اجتماعي لا حجة على صدقها أو كذبها. وإساءة استعمال الاكتشافات العلمية في صنع الأسلحة لا تُبطل العلم.
ما الذي تقدمه المسيحية تحديدًا؟
إذا نظرنا إلى الحجج الست معًا لاحظنا أن الجواب المسيحي لا يقتصر على الدفاع. ففي مسألة «من خلق الله؟» يقدّم الإيمان المسيحي إلهًا هو الكائن الذي لا بداية له، لا شيئًا ضمن سلسلة المخلوقات. وفي مسألة الشر يقدّم إلهًا دخل الألم ولم يكتفِ بتبريره. وفي مسألة الأخلاق يقدّم صلاحًا متجذرًا في شخصية الله، وكرامة للإنسان مبنية على صورة الله فيه. وفي مسألة العنف يقدّم معيارًا للحكم على أتباعه، هو تعليم المسيح نفسه.
وفي مسألة الدليل تظهر الخصوصية الأوضح. يعلن كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن الله، بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا، كلّمنا في ابنه (عبرانيين 1: 1–2)، ويقول يسوع: «الذي رآني فقد رأى الآب» (يوحنا 14: 9). فالمسيحية لا تقول إن الله بعيد يحاول المؤمنون التقاط إشارات منه، بل إنه تكلم وأتى. وهذا ادعاء تاريخي يمكن فحصه كما تُفحص الادعاءات التاريخية: فبولس يسرد في 1 كورنثوس 15: 3–8 قائمة بمن ظهر لهم المسيح بعد قيامته. ومن الصدق أن نقول إن الفلسفة وحدها لا تصنع مسيحيًّا. هي تفتح الباب أمام السؤال: هل حدث ذلك فعلًا؟ وهذا موضوع يستحق مقالًا مستقلًّا.
أسئلة شائعة حول الرد على الإلحاد المعاصر
لماذا لا يظهر الله بوضوح أكبر؟
يطرح جون شلنبرغ في «الاختفاء الإلهي والعقل البشري» (1993) أن إلهًا محبًّا كان سيجعل الإيمان به متاحًا بسهولة لكل من يطلبه بصدق، وأن وجود ملحدين غير معاندين دليل ضد وجوده. وفي الجواب أن غاية الله في الكتاب المقدس علاقة لا مجرد تصديق، فحتى «الشياطين يؤمنون ويقشعرون» (يعقوب 2: 19). وقد وصف النبي الله بأنه «إله محتجب» (إشعياء 45: 15)، مع وعد: «وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم» (إرميا 29: 13)، وقال بولس إن الله أراد أن يطلبه الناس «لعلهم يتلمسونه فيجدوه» (أعمال 17: 27). ومع ذلك فالصمت مؤلم لبعض الباحثين الصادقين، والمزامير تعبّر عن هذا الألم بوضوح، ولا يُعد الاعتراف بذلك ضعفًا في الإيمان
هل يتعارض الإيمان مع العلم؟
ليس من حيث المبدأ. تنشأ التعارضات غالبًا بين تفسير بعينه للكتاب المقدس وتفسير بعينه للعلم، أو بين العلم كمنهج والطبيعانية كرؤية للعالم، وهما أمران مختلفان كما رأينا. والمسيحيون يختلفون فيما بينهم في قراءة تكوين 1، وهذا خلاف داخلي لا ينبغي أن يُقدَّم على أنه «موقف المسيحية».
كيف أحاور صديقًا ملحدًا؟
أصغِ أولًا. اسأله: ما أقوى سبب عندك؟ ولا تسخر. واعترف بما لا تعرفه، فالاعتراف بحدود المعرفة يمنح كلامك وزنًا. وتذكّر وصية بطرس أن يكون الجواب «بوداعة وخوف» (1 بطرس 3: 15). وكثيرًا ما يكون خلف السؤال الفلسفي جرح لا حجة، فاسأل عن القصة قبل أن تجادل في المقدمات.
خاتمة: الرد على الإلحاد المعاصر
قرأنا في هذا المقال الرد على الإلحاد المعاصر ست حجج كبرى للإلحاد المعاصر، وحاولنا أن نعرض كلًّا منها بأقوى صيغة. والنتيجة أن هذه الحجج جادة، وأن بعضها يفرض على المؤمن مراجعة صادقة لطريقة كلامه وسلوكه. لكن أيا منها لا يبرهن على أن الله غير موجود. فالمطالبة بالدليل تفترض العلموية التي لا تثبت نفسها، وسؤال «من خلق الله؟» يخطئ فهم الله، ومشكلة الشر لا تنتج تناقضًا منطقيًّا وتجد في الصليب جوابًا لا يملكه غيره، ومسألة الأخلاق تحتاج إلى أساس تعجز عنه الرؤية المادية المجردة بسهولة، وسجل العنف لا يقول شيئًا عن حقيقة الله.
وليس المقصود أن الأسئلة سهلة. بقيت أمور كثيرة غير محسومة، وعلى المؤمن أن يعترف بها بتواضع. لكن المؤمن لا يحتاج إلى الخوف من السؤال. فالإيمان الذي يخشى الفحص ليس إيمانًا بل تعلقًا. والكتاب المقدس يدعو إلى طلب حقيقي: «وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم» (إرميا 29: 13). ومن أراد أن يبدأ، فليقرأ إنجيل يوحنا بعين من يسأل بصدق: من هو هذا الذي يقول إنه رأى الآب؟ وماذا فعل؟ وماذا يقول لمن يتألم ولمن يشك؟










