إنكار صلب المسيح: المعضلة الأخلاقية والتاريخية في سورة النساء 157

إنكار صلب المسيح

دراسة مسيحية تحليلية في نظرية الشبيه، ومصير الحواريين، ومعاناة محمد، والأدلة التاريخية على صلب يسوع المسيح.

مقدمة: الصليب بين الحقيقة التاريخية وإنكار صلب المسيح الإسلامي

يقف صلب المسيح في قلب الإيمان المسيحي، فهو ليس مجرد حادثة مؤلمة في حياة نبي، ولا تفصيلًا ثانويًا يمكن حذفه دون أن تتغير العقيدة المسيحية، بل هو الحدث الذي تقوم عليه رسالة الخلاص بأكملها. فمنذ بداية الكرازة المسيحية، أعلن الرسل أن يسوع المسيح اعتُقل، وحوكم أمام بيلاطس البنطي، وصُلب، ومات، ودُفن، ثم قام في اليوم الثالث. ويؤكد الرسول بولس هذه الحقيقة في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 3-4، عندما يذكّر المؤمنين بالبشارة التي تسلّمها وسلّمها إليهم، وهي أن المسيح مات من أجل خطايانا بحسب الكتب، وأنه دُفن وقام في اليوم الثالث. لذلك لا يمكن فهم المسيحية دون الصليب، لأن موت المسيح وقيامته يشكلان معًا جوهر الإعلان المسيحي عن الخلاص.

لكن الإسلام يقدم رواية مختلفة جذريًا. فهو يكرّم عيسى ابن مريم باعتباره نبيًا ورسولًا من عند الله، لكنه ينكر صلبه وموته على الصليب. تقول سورة النساء 157: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ»، ثم تقول الآية 158: «بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ». وهنا يظهر التعارض الأساسي بين الروايتين: المسيحية تعلن أن المسيح مات فعلًا على الصليب وقام من الأموات، بينما ينكر القرآن حدوث الصلب أصلًا. وهذا ليس اختلافًا بسيطًا في تفسير حادثة تاريخية، بل اختلاف يمس هوية المسيح، وطبيعة رسالته، ومعنى موته، والطريقة التي يعلن بها الله خلاص الإنسان.

في دراستي لقضية إنكار صلب المسيح، لا أريد الاكتفاء بتكرار ما تقوله النصوص أو عرض الاختلاف بين العقيدتين كما لو كان مجرد خلاف في وجهات النظر. أريد أن أفحص التفسيرات الإسلامية المطروحة، وأن أختبرها من الناحية التاريخية والأخلاقية والمنطقية. فإذا كان المسيح لم يُصلب، فما الذي حدث بالفعل؟ ومن هو الشخص الذي ظهر للناس وكأنه المسيح؟ وهل كان الأمر معجزة استبدال إلهية، أم مجرد سوء فهم تاريخي؟ وإذا كان التلاميذ أنفسهم قد آمنوا بأن يسوع صُلب وقام، فلماذا لم يكشف الله لهم الحقيقة؟ ولماذا استمروا في الكرازة بهذه الرسالة وتحملوا الاضطهاد بسببها؟ ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كان الهدف من رفع المسيح هو إنقاذه من موت مهين على يد أعدائه، فلماذا سمح الله لمحمد نفسه بأن يتعرض لجروح شديدة في غزوة أُحد، ثم يعاني من آثار السم الذي تناوله في خيبر بحسب روايات الحديث؟

هذه الأسئلة تقودني إلى أطروحة المقال الأساسية: إنكار صلب المسيح يضع التفسير الإسلامي أمام معضلة أخلاقية وتاريخية يصعب تجاوزها. فإذا كان الله قد صنع شبيهًا بالمسيح، تظهر مشكلة التضليل الإلهي. وإذا كان الناس قد أخطأوا في فهم ما حدث، تظهر مشكلة ترك الحواريين في جهل بشأن الحدث الأهم في رسالة معلمهم. أما التاريخ المبكر للمسيحية فيقدم شهادة قوية على أن الصلب لم يكن اعتقادًا متأخرًا، بل حقيقة آمن بها أتباع يسوع منذ البداية.

أولًا: نظرية الشبيه، هل صنع الله مظهرًا تاريخيًا مضللًا؟

من أشهر التفسيرات التقليدية لسورة النساء 157 القول بأن الله ألقى شبه المسيح على شخص آخر، فظن الناس أنهم قبضوا على يسوع وصلبوه، بينما كان المسيح قد رُفع إلى السماء. وقد ظهرت في كتب التفسير الإسلامية روايات متعددة حول هوية الشخص الذي صُلب بدلًا من المسيح، والظروف التي حدث فيها الاستبدال. ويذكر ابن كثير والطبري وغيرهما روايات مختلفة في هذا الموضوع، منها روايات تتحدث عن شخص تطوع ليُلقى عليه شبه المسيح. لكن من المهم أن نلاحظ أن القرآن نفسه لا يذكر اسم هذا الشخص، ولا يشرح بالتفصيل كيفية حدوث الاستبدال، ولذلك لا ينبغي التعامل مع جميع الروايات التفسيرية وكأنها نص قرآني صريح أو رواية تاريخية متفق عليها.

لكنني أريد أن أركز على النتيجة الأخلاقية التي تترتب على هذا التفسير. فإذا كان الله قد غيّر ملامح شخص آخر ليبدو مثل يسوع، فإن ما حدث لم يكن مجرد خطأ بشري عادي، بل كان نتيجة تدخل خارق للطبيعة. لقد اعتقد الجنود الرومان أنهم قبضوا على يسوع، واعتقد الذين شاهدوا التنفيذ أنهم رأوا المسيح على الصليب، واعتقد أتباعه أن معلمهم قد مات. وبعد ذلك انتشرت شهادة الصلب والقيامة في العالم القديم، وأصبحت أساس الإيمان المسيحي. فإذا كانت نظرية الشبيه صحيحة، فإن المظهر الذي أدى إلى هذه الاعتقادات لم ينشأ من المصادفة وحدها، بل كان نتيجة فعل إلهي مباشر، بحسب هذا التفسير.

وهنا أطرح السؤال الأخلاقي الذي لا أرى أن نظرية الشبيه تستطيع الإجابة عنه بسهولة: لماذا يسمح إله عادل وصادق بأن ينشئ مظهرًا تاريخيًا مضللًا حول أهم حدث في رسالة أحد أنبيائه؟ ولماذا يختار وسيلة تؤدي إلى اعتقاد ملايين البشر، عبر أجيال متعاقبة، أن المسيح صُلب ومات وقام، بينما يعتبر الإسلام هذا الاعتقاد خطأً عقائديًا جسيمًا؟ فالمشكلة لا تتعلق فقط بأن الناس فهموا حدثًا بطريقة خاطئة، بل بأن تفسير الاستبدال ينسب إلى الله نفسه إنشاء الظروف التي أدت إلى هذا الفهم.

أنا أدرك أن السماح للإنسان بأن يخطئ ليس هو نفسه أن يخدعه الله مباشرة. فالبشر يسيئون فهم الأحداث، وقد يتوصلون إلى استنتاجات غير صحيحة دون أن يكون الله مسؤولًا عن كل خطأ بشري. لكن نظرية الشبيه تطرح مسألة مختلفة تمامًا، لأنها تفترض تدخلًا إلهيًا خارقًا أدى إلى ظهور شخص في صورة شخص آخر، مع علم الله بالعواقب التي ستترتب على ذلك. وإذا كان الله يعلم أن هذا المظهر سيقود الناس إلى الاعتقاد بأن المسيح صُلب، وأن هذا الاعتقاد سيصبح أساسًا للكرازة المسيحية والعبادة المسيحية، فلماذا اختار هذه الطريقة؟ ولماذا لم يعلن الحقيقة بوضوح منذ البداية؟

الكتاب المقدس يقدم صورة مختلفة تمامًا عن طبيعة الله. ففي سفر العدد 23: 19 نقرأ أن الله ليس إنسانًا حتى يكذب، وفي العبرانيين 6: 18 نقرأ أن الله لا يمكن أن يكذب. كما يعلن المسيح في يوحنا 14: 6: «أنا هو الطريق والحق والحياة». فالحق ليس صفة ثانوية في طبيعة الله، بل هو جزء أساسي من شخصيته. ولذلك أجد صعوبة كبيرة في التوفيق بين إله يعلن الكتاب المقدس أنه إله الحق، وبين تفسير يجعل الله المسؤول عن إنشاء مظهر تاريخي مضلل حول موت المسيح.

وتظهر مشكلة أخرى عندما نسأل عن مصير الشخص المفترض أنه صُلب بدلًا من يسوع. فإذا كان بريئًا، فلماذا سمح الله بوقوعه تحت حكم الإعدام؟ وإذا كان قد تطوع، كما تذكر بعض الروايات التفسيرية، فلماذا كانت هناك حاجة إلى مثل هذا الترتيب المعقد أصلًا؟ وإذا كان الله قادرًا على إنقاذ المسيح مباشرة، فلماذا يختار وسيلة تتضمن معاناة شخص آخر، وتؤدي إلى التباس تاريخي وعقائدي استمر أثره قرونًا؟ هذه ليست أسئلة هامشية، بل تمس عدالة الفعل المفترض وطبيعة التدبير الإلهي الذي يُنسب إلى الله في هذا التفسير.

ثانيًا: الحواريون، المشكلة الأصعب في إنكار صلب المسيح

يحاول بعض المدافعين المعاصرين عن الموقف الإسلامي تجنب مشكلة الخداع الإلهي المباشر، فيرفضون فكرة أن الله ألقى شبه المسيح على شخص آخر، ويقترحون بدلًا من ذلك أن الناس أساؤوا فهم ما حدث. وبحسب هذا التصور، لم تقع معجزة استبدال، وإنما حدث التباس تاريخي جعل الحاضرين يعتقدون أن المسيح صُلب. قد يبدو هذا التفسير أقل إشكالًا من الناحية الأخلاقية في البداية، لأنه لا يجعل الله الفاعل المباشر وراء مظهر مضلل. لكنه لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى نقطة أكثر صعوبة: ماذا حدث للحواريين أنفسهم؟

القرآن لا يقدم الحواريين باعتبارهم مجموعة من الغرباء الذين سمعوا إشاعة عن يسوع، بل يصفهم بأنهم مؤمنون ومؤيدون له. ففي سورة آل عمران 52 يقول الحواريون: «نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ». وفي سورة المائدة 111 يقول الله: «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ». وقد فسر الطبري هذا الوحي بالإلهام وإلقاء الإيمان في قلوبهم. وهذا يجعل المسألة أكثر أهمية، لأننا نتحدث عن أتباع يصفهم القرآن بأنهم استجابوا لله وآمنوا برسوله عيسى.

إذا كان هؤلاء الحواريون من المؤمنين الذين ألهمهم الله الإيمان برسوله، فلماذا تركهم في جهل بشأن الحدث الأكثر أهمية في حياة ذلك الرسول؟ لقد عاشوا مع يسوع، وسمعوا تعاليمه، وشاهدوا أعماله، وتركوا حياتهم السابقة ليتبعوه. لم يكونوا مجرد أشخاص سمعوا خبرًا عابرًا عن إعدام شخص يشبهه، بل كانوا الدائرة الأقرب إليه. وبحسب شهادة العهد الجديد، شاهدوا اعتقاله، وعرفوا خبر محاكمته وصلبه، ثم أعلنوا قيامته من بين الأموات. فإذا كان التفسير الإسلامي صحيحًا، فإما أن هؤلاء الحواريين وقعوا ضحية استبدال خارق للطبيعة، وإما أنهم أساؤوا فهم الحدث المركزي في رسالة معلمهم. وفي الحالتين تبقى الأسئلة الأخلاقية قائمة.

لماذا يسمح الله لأكثر أتباع المسيح إخلاصًا بأن يعيشوا حزنًا عميقًا بسبب اعتقاد خاطئ؟ ولماذا يتركهم يعتقدون أن معلمهم قد مات على الصليب، إذا كان في الحقيقة قد رُفع ولم يُصلب؟ ولماذا لا يكشف لهم الحقيقة بوضوح، خصوصًا أنهم كانوا الأقرب إلى الحدث والأقدر على معرفة ما جرى؟ أنا لا أقول إن الإلهام المذكور في القرآن يعني أن الحواريين لا يمكن أن يخطئوا في أي أمر، لكنني أسأل عن التناقض الناتج عندما يكون هؤلاء موصوفين بالإيمان والإلهام، ثم يُفترض أنهم أخطأوا في فهم الحدث الذي أصبح أساس الكرازة المسيحية كلها.

وتزداد المشكلة خطورة عندما ننظر إلى تاريخ الكنيسة الأولى. فالرسل لم يكتفوا بالحزن على فقدان معلمهم ثم اختفوا من التاريخ، بل أعلنوا في أورشليم وخارجها أن يسوع الذي صُلب قد قام من الأموات. ويخبرنا سفر الأعمال أن بطرس ويوحنا تعرضا للاعتقال والاستجواب بسبب كرازتهما باسم يسوع (أعمال الرسل 4)، وأن الرسل تعرضوا للسجن والتهديد حتى يتوقفوا عن التعليم (أعمال الرسل 5). كما يروي أعمال الرسل 7 استشهاد استفانوس بسبب شهادته للمسيح، ويروي أعمال الرسل 12 قتل يعقوب بن زبدي بالسيف بأمر هيرودس. هذه الأحداث توضح أن الكرازة بالمسيح لم تكن فكرة نظرية بلا ثمن، بل كانت رسالة تحمل عواقب حقيقية على أصحابها.

ومن الضروري هنا أن أميز بين ما يمكن إثباته تاريخيًا وما يعتمد على تقاليد لاحقة. فلدينا شهادات مبكرة مهمة عن اضطهاد شخصيات مثل بطرس وبولس، لكن تفاصيل موت جميع الرسل لا تتمتع بالدرجة نفسها من التوثيق التاريخي. ولا أحتاج إلى الادعاء بأن كل رسول مات بالطريقة نفسها حتى أصل إلى النقطة الأساسية. يكفي أن نعرف أن الحركة المسيحية الأولى أعلنت موت المسيح وقيامته، وأن شخصيات محورية في هذه الحركة تعرضت للاضطهاد والمعاناة بسبب شهادتها. وهنا أطرح السؤال: إذا كان الصلب لم يحدث أصلًا، فهل يعقل أن يسمح الله لأتباع رسوله الأمناء بأن يبنوا حياتهم وكرازتهم على سوء فهم تاريخي جوهري، ثم يعانوا بسببه، دون أن يكشف لهم الحقيقة؟

إن التفسير القائل بحدوث سوء فهم طبيعي يتجنب نسبة الاستبدال المباشر إلى الله، لكنه لا يقدم إجابة كافية عن صمت الله المفترض تجاه الحواريين. لقد أصبح الاعتقاد بصلب المسيح وقيامته أساسًا للحركة المسيحية منذ بدايتها، بينما لم يظهر التصحيح الإسلامي لهذا الاعتقاد إلا بعد نحو ستة قرون. ولا أقصد بذلك أن الإسلام لم يقدم تفسيرًا دينيًا لاحقًا، بل أقصد أن المصادر المسيحية المبكرة التي نملكها لا تقدم رواية عن إعلان إلهي للحواريين يقول لهم إن ما اعتقدوه بشأن الصلب كان خطأ. ولذلك تبقى المعضلة قائمة: إما تضليل من خلال الاستبدال، وإما ترك المؤمنين الأوائل في التباس تاريخي وعقائدي بالغ الأهمية.

ثالثًا: يسوع ومحمد، لماذا تختلف معاملة المعاناة والحماية الإلهية؟

أريد الآن أن أنتقل إلى مقارنة تثير سؤالًا مهمًا حول منطق الحماية الإلهية في التفسير الإسلامي. من الحجج التي تُطرح أحيانًا لتفسير رفع المسيح أن الله أنقذه من موت مهين وملعون على يد أعدائه، وأفشل بذلك خطط مضطهديه. ووفق هذا الدفاع، لم يكن من المناسب أن يسمح الله لأعداء المسيح بأن يحققوا انتصارًا ظاهريًا عليه من خلال صلبه. لكنني عندما أقارن هذا التفسير بما ترويه المصادر الإسلامية نفسها عن حياة محمد، أجد نفسي أمام سؤال يصعب تجاهله: إذا كان الله قد رفع المسيح لإنقاذه من الإهانة والمعاناة الجسدية، فلماذا سمح لمحمد بأن يتعرض لإصابات خطيرة في معركة أُحد، ثم يعاني من ألم السم الذي تناوله في خيبر بحسب روايات الحديث؟

أنا لا أطرح هذه المقارنة للسخرية من معاناة محمد، ولا أقول إن الألم الجسدي وحده دليل على التخلي الإلهي. فالمعاناة لا تعني بالضرورة أن الله قد ترك الإنسان، ويمكن أن يمر النبي بتجارب قاسية دون أن تفقد رسالته معناها. لكن هذه هي النقطة التي أريد التأكيد عليها: إذا كانت المعاناة الجسدية لا تتعارض مع كرامة النبي أو صدق رسالته في حالة محمد، فلماذا تصبح المعاناة على الصليب سببًا لإنكار ما حدث ليسوع؟ ولماذا تُقبل الجروح والآلام باعتبارها ابتلاءات في حياة نبي، بينما يُستبعد الصلب من حياة المسيح لأنه يُعد، وفق هذا الدفاع، إهانة لا تليق به؟

تقدم لنا غزوة أُحد مثالًا واضحًا من المصادر الإسلامية. ففي صحيح البخاري، الحديث رقم 2911، يروي سهل أن وجه النبي جُرح، وأن إحدى ثناياه الأمامية كُسرت، وأن الخوذة التي كانت على رأسه تحطمت. ويذكر الحديث أن فاطمة كانت تغسل الدم عن وجهه، بينما كان علي يمسك الماء، ثم استخدمت فاطمة رماد حصير محروق لإيقاف النزيف عندما رأت أن الدم يزداد. نحن هنا لا نتحدث عن مجرد تعب عابر، بل عن إصابات جسدية حقيقية تعرض لها محمد في معركة انتهت بتراجع المسلمين وخسائر كبيرة. لقد أصيب في وجهه، وفقد سنًا، وتعرضت خوذته للتحطم، ومع ذلك لا تُفهم هذه الأحداث في العقيدة الإسلامية على أنها دليل على فقدانه الكرامة النبوية أو على أن الله تخلى عنه.

وأنا أستخدم تعبير الهزيمة أو الإهانة هنا بالمعنى العسكري والإنساني للانتكاسة التي حدثت في أُحد، وليس باعتباره حكمًا عقديًا على محمد أو وصفًا ورد في الحديث نفسه. فالمصادر الإسلامية تفسر ما حدث باعتباره ابتلاءً ودرسًا للمؤمنين، ولا تعتبر الإصابة الجسدية دليلًا على فشل الرسالة. وهذا تحديدًا هو موضع المقارنة. فإذا كان الله يسمح لنبيه بأن يُجرح أمام أعدائه، وأن يتعرض جيشه لخسائر عسكرية، وأن تستمر رسالته رغم هذه الظروف، فلماذا يصبح صلب المسيح أمرًا مستحيلًا أو غير مقبول من الناحية اللاهوتية؟

وتزداد المقارنة أهمية عندما نصل إلى حادثة خيبر. ففي صحيح البخاري، الحديث رقم 4428، تروي عائشة أن محمدًا ظل يشعر بألم الطعام الذي أكله في خيبر، وأنه خلال المرض الذي مات فيه قال إنه يشعر وكأن أبهَره ينقطع من ذلك السم. وهذه رواية مهمة لأنها تربط بين السم الذي تناوله في خيبر وبين الألم الذي وصفه خلال مرضه الأخير. وأنا لا أحتاج إلى المبالغة في تفسير هذه الرواية أو تقديم تشخيص طبي لا يقدمه الحديث نفسه. يكفيني أن أشير إلى أن مصدرًا حديثيًا إسلاميًا معتمدًا ينقل عن محمد وصفًا لألم مستمر مرتبط بالطعام المسموم الذي تناوله.

والآن أعود إلى السؤال الأساسي: إذا كان الهدف من رفع المسيح هو إنقاذه من موت مهين على يد أعدائه، فلماذا لم يمنع الله إصابة محمد في أُحد؟ ولماذا لم يمنع عنه السم الذي تناوله في خيبر، بحسب الرواية الإسلامية؟ لماذا لم تكن الحماية الإلهية شاملة في حالة محمد، بينما يُفترض أنها اقتضت منع الصلب في حالة المسيح؟ هل المعاناة الجسدية تتعارض مع كرامة النبي أم لا؟ إذا كانت لا تتعارض معها في حالة محمد، فلا يمكن اعتبار مجرد الألم أو الإهانة الجسدية سببًا كافيًا لإنكار صلب المسيح.

قد يجيب المدافع المسلم بأن الله لا يعد أنبياءه بحمايتهم من كل ألم أو خطر، وأن لكل نبي ظروفًا ومهمة مختلفة. وأنا أقبل أن هذا الرد ممكن من حيث المبدأ، لكنه يضعف الاستدلال الذي يجعل إنقاذ المسيح من المعاناة هو السبب الحاسم لنفي الصلب. فإذا كان الله يسمح لمحمد بأن يعاني دون أن تنتقص مكانته النبوية، فلماذا لا يكون من الممكن أن يسمح للمسيح بأن يعاني أيضًا، بل وأن يجعل من معاناته جزءًا من رسالته؟ إن مجرد القول إن لكل نبي ظروفه لا يحل السؤال عن سبب اعتبار الصلب تحديدًا أمرًا مستحيلًا، خصوصًا أن المسيحية لا تقدم الصليب باعتباره فشلًا في الحماية الإلهية، بل باعتباره جوهر خطة الخلاص.

وهنا يظهر الاختلاف الجوهري بين الفهم المسيحي والفهم الذي يحاول تفسير رفع المسيح على أساس تجنيبه الموت المهين. فالمسيحية لا ترى الصليب هزيمة غير متوقعة، ولا تعتبر أن أعداء يسوع نجحوا في تدمير رسالته. بل تعلن أن المسيح جاء بإرادته ليبذل نفسه من أجل الإنسان. يقول يسوع في يوحنا 10: 17-18 إنه يضع حياته ليأخذها أيضًا، وإن أحدًا لا ينزعها منه، بل يضعها هو من ذاته. وهذا الإعلان يغير معنى الصليب بالكامل. فالمسيح لم يكن ضحية عاجزة أمام قوة الرومان، بل دخل بإرادته إلى طريق الألم ليتمم رسالته.

وتتضح هذه الفكرة أكثر عندما نقرأ غلاطية 3: 13، حيث يشرح بولس أن المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، مستشهدًا بما ورد في تثنية 21: 23 عن المعلّق على خشبة. المسيحية لا تنكر أن الصلب كان يحمل عارًا اجتماعيًا وقسوة جسدية في العالم الروماني، ولا تتجاهل أن الموت على الخشبة ارتبط في النصوص القديمة بفكرة اللعنة. لكنها ترى أن المسيح حمل هذه اللعنة بإرادته لكي يفتدي الإنسان. وما يبدو إهانة في نظر العالم أصبح، في الإيمان المسيحي، إعلانًا عن محبة الله وعدله.

لذلك أرى أن المقارنة بين محمد ويسوع تكشف مشكلة في طريقة استخدام مفهوم الحماية الإلهية لتفسير إنكار الصلب. إذا كان الألم الجسدي لا يلغي كرامة محمد ولا يبطل رسالته، فلا يكفي القول إن الله لم يسمح بصلب المسيح لأنه موت مهين. يجب تقديم تفسير أكثر اتساقًا يوضح لماذا لا يمكن أن يكون الصليب جزءًا من رسالة المسيح. أما المسيحية فتقدم جوابًا واضحًا: لم يكن الصليب حادثًا خارج خطة الله، بل كان جزءًا من العمل الذي جاء المسيح ليتممه.

رابعًا: الأدلة التاريخية، هل صُلب يسوع فعلًا؟

بعد فحص الأسئلة الأخلاقية واللاهوتية، يجب أن أعود إلى المسألة التاريخية نفسها. لا يكفي أن أقول إن الكتاب المقدس يعلن صلب المسيح، ولا يكفي أن أكرر أن القرآن ينفيه. بل يجب أن أفحص المصادر المتاحة، وتاريخ ظهورها، وقربها من الأحداث، ومدى اتفاقها مع السياق التاريخي المعروف. وعندما أفعل ذلك، أجد أن صلب يسوع من أكثر الأحداث المرتبطة بحياته رسوخًا في البحث التاريخي المتخصص.

تتفق الأناجيل الأربعة على أن يسوع حُوكم في عهد بيلاطس البنطي وصُلب. يروي متى 27 ومرقس 15 ولوقا 23 ويوحنا 19 تفاصيل اعتقاله ومحاكمته وصلبه وموته. صحيح أن هناك اختلافات في بعض التفاصيل والترتيب والتركيز اللاهوتي بين الروايات، لكن الحدث المركزي واضح ومتفق عليه: يسوع صُلب ومات. وهذه الشهادة ليست رواية ظهرت بعد قرون من حياة المسيح، بل هي جزء من أقدم التقاليد المسيحية التي وصلت إلينا.

ولدينا أيضًا شهادة بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 3-8، حيث ينقل تقليدًا مبكرًا عن موت المسيح ودفنه وقيامته وظهوره للتلاميذ. ويقول بولس إنه تسلم هذا التعليم وسلّمه إلى المؤمنين. وهذا مهم من الناحية التاريخية لأن الرسالة كُتبت في القرن الأول، بينما يرجع التقليد الذي تنقله إلى فترة أقدم من كتابة الرسالة نفسها. أي إن الإيمان بموت المسيح وقيامته كان موجودًا في الحركة المسيحية الأولى، ولم يكن عقيدة أضيفت بعد مرور قرون.

ولا تقتصر الأدلة على المصادر المسيحية. فالمؤرخ الروماني تاسيتوس، في كتابه الحوليات 15: 44، يذكر أن المسيح تعرض للعقوبة القصوى في عهد طيباريوس على يد بيلاطس البنطي. وتأتي أهمية هذه الشهادة من أن تاسيتوس لم يكن كاتبًا مسيحيًا يدافع عن الإيمان، بل كان يتحدث عن المسيحيين بنبرة عدائية. ومع ذلك، فإنه يربط نشأة الحركة المسيحية بإعدام مؤسسها في عهد بيلاطس. وهذا يقدم شهادة تاريخية خارج العهد الجديد على وقوع إعدام يسوع في السياق الروماني.

أما يوسيفوس، المؤرخ اليهودي الذي عاش في القرن الأول، فيذكر يسوع في كتابه «الآثار اليهودية» 18: 63-64، في المقطع المعروف باسم شهادة فلافيوس يوسيفوس. ومن الضروري أن أكون دقيقًا هنا، لأن النص الموجود وصل إلينا بصياغة يعتقد عدد كبير من الباحثين أنها تعرضت لتعديلات أو إضافات مسيحية لاحقة. لذلك توجد خلافات علمية حول مقدار النص الأصلي الذي كتبه يوسيفوس. ولا أبني حجتي على افتراض أن كل كلمات المقطع أصلية، بل أذكره باعتباره مصدرًا تاريخيًا مهمًا ينبغي التعامل معه بحذر نقدي.

عندما أجمع هذه الشهادات، أجد أن صلب المسيح لم يكن اعتقادًا متأخرًا ظهر بعد ستة قرون، بل كان جزءًا من أقدم إعلان مسيحي معروف. كما أن إعدام المسيح على يد السلطة الرومانية يتوافق مع السياق التاريخي الذي كانت فيه روما تستخدم الصلب لمعاقبة أشخاص اعتبرتهم خطرًا على النظام أو السلطة. ولهذا يقبل جمهور واسع من الباحثين المتخصصين في تاريخ يسوع وقوع الصلب بوصفه حقيقة تاريخية راسخة، حتى عندما يختلفون حول تفسيرها اللاهوتي.

وهنا تظهر مشكلة زمنية مهمة أمام الإنكار الإسلامي. فقد ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي، أي بعد حياة يسوع بنحو ستة قرون. وفي ذلك الوقت كانت عقيدة الصلب والقيامة قد أصبحت مركزية في الكنائس المسيحية المنتشرة في مناطق متعددة. ولا أقول إن المصدر الأقدم يكون صحيحًا تلقائيًا لمجرد أنه أقدم، فالتاريخ يحتاج إلى فحص نقدي للمصادر. لكن عندما تكون لدينا شهادات مبكرة ومتعددة عن حدث معين، يصبح من الضروري أن يقدم الادعاء اللاحق الذي ينفيه تفسيرًا قويًا يوضح لماذا أخطأت تلك المصادر المبكرة.

إن سورة النساء 157 لا تقدم تفاصيل تاريخية كافية لإبطال الشهادات السابقة. فهي لا تحدد هوية الشخص الذي قيل إنه صُلب بدلًا من المسيح، ولا تشرح كيف وقع الاستبدال، ولا تفسر كيف اتفق أتباع يسوع الأوائل على أن معلمهم صُلب ومات وقام. كما لا تقدم تفسيرًا تاريخيًا مقنعًا لوجود شهادة تاسيتوس عن إعدام المسيح في عهد بيلاطس. ولذلك فإن مجرد تكرار عبارة «ولكن شُبّه لهم» لا يحل المشكلة التاريخية. إنه يقدم ادعاءً دينيًا مخالفًا، لكنه لا يقدم التفاصيل والأدلة التي تسمح بإعادة بناء ما حدث بالفعل.

خامسًا: الصليب في الإيمان المسيحي، تضحية لا هزيمة

عندما أدرس الفهم المسيحي للصليب، أجد تفسيرًا متماسكًا لسبب موت المسيح. فالصليب لم يكن حادثًا غير متوقع، ولم يكن دليلًا على فشل الله في حماية رسوله، بل كان جزءًا من الرسالة التي جاء المسيح ليتممها. يعلمنا الإيمان المسيحي أن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأن المصالحة لا تعني تجاهل الشر أو التعامل معه وكأنه غير موجود. فالله عادل وقدوس، وفي الوقت نفسه محب ورحيم. ومن خلال الصليب يعلن الله محبته وعدله، لأن المسيح حمل عواقب الخطية لكي يفتح طريق المصالحة للإنسان.

ويحتل إشعياء 53 مكانة مهمة في فهم هذه الرسالة. فالنبي يتحدث عن عبد متألم، مرفوض ومجروح بسبب خطايا الآخرين. يقول إشعياء 53: 5: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا». ثم يوضح العدد السادس أن الرب وضع عليه إثم جميعنا. وقد فهم المسيحيون هذا النص تاريخيًا باعتباره من أهم النبوات التي تشير إلى آلام المسيح وعمله الفدائي. كما أعلن يسوع في متى 20: 28 أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.

ولا يترك العهد الجديد مجالًا للشك في أن المسيح فهم موته باعتباره عملًا إراديًا. ففي يوحنا 10: 11 يقول إنه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف. وفي يوحنا 10: 17-18 يشرح أنه يضع حياته بإرادته وأن له سلطانًا أن يأخذها أيضًا. وهذا الإعلان مهم جدًا، لأنه يوضح أن الصلب لم يكن أمرًا حدث ضد إرادة المسيح أو خارج رسالته. لقد قبله بإرادته، وعرف أن طريقه سيقوده إلى بذل حياته من أجل البشر.

ويشرح بولس هذه الحقيقة في رومية 5: 8 قائلًا: «وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا». هنا يكمن قلب الرسالة المسيحية. فالله لم يصنع مظهرًا مضللًا ليترك البشر في حيرة بشأن ما حدث للمسيح، بل أعلن محبته من خلال حدث تاريخي حقيقي بحسب الإيمان المسيحي. دخل المسيح إلى معاناة الإنسان، وحمل عبء الخطية، وبذل حياته من أجل الأثمة. ويؤكد بطرس الأولى 3: 18 هذا المعنى عندما يقول إن المسيح تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله.

لهذا أرفض اعتبار الصليب إهانة كان على الله أن يمنعها حفاظًا على كرامة المسيح. فالمسيحية لا تقول إن الرومان انتصروا على يسوع أو إن أعداءه نجحوا في إفشال خطة الله. بل تقول إن المسيح دخل إلى الصليب بإرادته، وإن ما بدا في أعين الناس تنفيذًا لحكم الإعدام أصبح، في تدبير الله، أساس إعلان الخلاص. ولم تكن القيامة منفصلة عن الصليب، بل كانت إعلان انتصار المسيح على الموت. ولهذا لا يمكن حذف الصليب من الرسالة المسيحية دون أن نفقد جوهر الإنجيل نفسه.

الخاتمة: إنكار صلب المسيح

بعد فحص إنكار صلب المسيح في الإسلام، أعود إلى السؤال الأساسي: ماذا حدث ليسوع المسيح فعلًا؟ إن الشهادات التاريخية المبكرة تشير إلى صلبه في عهد بيلاطس البنطي. ورسائل العهد الجديد تعلن موته وقيامته، كما أن تاسيتوس يقدم شهادة خارجية على إعدامه. وقد قامت الكرازة المسيحية الأولى على الإعلان بأن يسوع مات وقام، وليس على فكرة ظهرت بعد قرون. وفي مواجهة هذا السجل التاريخي، يطرح الإنكار الإسلامي مشكلات لا يمكن حلها بمجرد تكرار الآية 157 من سورة النساء.

إذا كان الله قد ألقى شبه المسيح على شخص آخر، فإن نظرية الشبيه تثير مشكلة مسؤولية الله عن المظهر المضلل الذي أدى إلى الاعتقاد بصلب المسيح. وإذا لم يحدث استبدال خارق للطبيعة، وكان التلاميذ والناس قد أساؤوا فهم ما حدث، فإن المشكلة تصبح متعلقة بعدل الله وهدايته، ولماذا تُرك أقرب أتباع المسيح في جهل بشأن الحدث الأهم في رسالته. فالقرآن نفسه يصف الحواريين بأنهم مؤمنون استجابوا لإلهام الله، فلماذا يُفترض أنهم أخطأوا في فهم صلب المسيح وقيامته، ثم أصبح هذا الخطأ أساسًا لكرازة استمرت قرونًا؟

وتكشف المقارنة مع محمد سؤالًا آخر حول اتساق مفهوم الحماية الإلهية. فإذا كان المسيح قد رُفع لأن الله لم يرد أن يتعرض لموت مهين على يد أعدائه، فلماذا تعرض محمد لإصابات خطيرة في أُحد، ثم تحدث عن الألم المرتبط بسم خيبر خلال مرضه الأخير؟ هذه الأحداث لا تثبت أن محمدًا قد تُرك من الله، ولا أستخدمها للسخرية من معاناته. لكنها تثبت أن المعاناة الجسدية لا تعني بالضرورة فقدان الكرامة النبوية أو فشل الرسالة. ولذلك لا يكفي الاحتجاج بالمعاناة لتفسير إنكار الصلب. فالمسيحية تقدم تفسيرًا واضحًا: يسوع قبل الألم بإرادته لأن رسالته كانت أن يبذل حياته من أجل خلاص الإنسان.

أنا لا أستطيع قبول تفسير يجعل الله إما مسؤولًا عن إنشاء مظهر تاريخي مضلل حول الحدث المركزي في رسالة المسيح، وإما تاركًا أتباع رسوله الأمناء يبنون حياتهم وكرازتهم على سوء فهم تاريخي وعقائدي جوهري لم يُصحح لهم. وأدرك أن المدافع المسلم قد يلجأ إلى القول إن حكمة الله تفوق إدراك الإنسان، لكن الإحالة إلى الحكمة الإلهية لا تحل تلقائيًا التناقض التاريخي، ولا تثبت صحة رواية معينة. فإذا كنت سأقبل ادعاءً تاريخيًا، فعليّ أن أفحص الأدلة. وإذا كنت سأقبل تفسيرًا لاهوتيًا، فعليّ أن أسأل هل يتفق مع طبيعة الله الذي يعلن الكتاب المقدس أنه إله الحق والعدل.

أما الإعلان المسيحي فيقدم صورة مختلفة تمامًا. لم يُنقذ المسيح من الصليب لأن الألم لا يليق برسالته، بل قبل الصليب لأن رسالته كانت خلاص الإنسان. دخل إلى معاناة البشر، وحمل عبء الخطية، وبذل نفسه من أجل الأثمة. لم يكن الصليب هزيمة لخطة الله، بل إعلانًا عنها. وعندما قال يسوع على الصليب: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا 19: 30)، لم يكن يعلن فشل رسالته، بل كان يعلن إتمام العمل الذي جاء ليصنعه.

لذلك أتمسك بالنتيجة التاريخية واللاهوتية التي يعلنها الإيمان المسيحي: يسوع المسيح صُلب حقًا، ومات حقًا، وقام حقًا من بين الأموات. الصليب ليس سوء فهم كونيًا، ولا خدعة إلهية، ولا حادثة محرجة تحتاج المسيحية إلى إخفائها أو تبريرها. إنه إعلان محبة الله، وإظهار عدله، وأساس رجاء الإنسان في الخلاص. وما بدا في أعين أعداء المسيح إهانة وهزيمة، أصبح في الإيمان المسيحي أعظم إعلان عن محبته الباذلة.

الصليب ليس دليلًا على أن الله تخلّى عن المسيح، بل هو إعلان أن الله، في المسيح، جاء ليخلّص الإنسان.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات بحساب الفايسبوك

مواضيع ذات صلة

أحدث المقالات

صفحتنا على الفايسبوك

قناتنا على اليوتيوب

شارك في القناة: