هل يعبد المسيحيون الصليب؟ الجواب الكتابي والتاريخي

هل يعبد المسيحيون الصليب؟

يتكرر هذا السؤال هل يعبد المسيحيون الصليب؟ كثيرًا، وغالبًا ما يأتي من باب الفضول الصادق أو من اعتراض حقيقي: ما دام المسيحيون يؤمنون بإله واحد، فلماذا نراهم يعلقون الصليب على جدران الكنائس وصدورهم، ويرسمون إشارته على أجسادهم، وقد ينحني بعضهم أمامه أو يقبّله في أسبوع الآلام؟ أليس هذا عبادة لشيء مصنوع؟

الجواب المختصر أن المسيحيين لا يعبدون الصليب. العبادة في الإيمان المسيحي لله وحده: الآب والابن والروح القدس. أما الصليب فهو علامة تذكر بما صنعه المسيح، وتكرّمه بعض الكنائس بطرق مختلفة من غير أن تعدّه إلها. غير أن هذا الجواب لا يغلق الموضوع، لأن الممارسات تختلف من كنيسة إلى أخرى، ولأن بعض ألفاظ الليتورجيا القديمة قد توحي لمن يسمعها من الخارج بعكس ما يقصده أصحابها. لذلك سنمضي في هذا المقال خطوة خطوة: نعرض الاعتراض بأقوى صوره، ثم ننظر في ما يقوله الكتاب المقدس عن الصليب وعن العبادة، ثم في التاريخ، ثم في الفرق بين العبادة والتكريم، وأخيرًا في موقف الكنائس المختلفة.

هل يعبد المسيحيون الصليب؟ الإجابة المباشرة

لا، المسيحيون لا يعبدون الصليب الخشبي أو المعدني ولا أي صورة له. تعلم الكنائس المسيحية جميعها، على اختلاف تقاليدها، أن العبادة (السجود بمعنى التأليه) لا تقدم إلا لله. والصليب في الفهم المسيحي رمز لموت المسيح على الصليب فداءً عن البشر، وهو في الوقت نفسه علامة انتصاره على الخطية والموت. فمن يكرّم الصليب أو يرشم نفسه به فهو يتجه بقلبه إلى المسيح المصلوب والقائم، لا إلى قطعة من الخشب.

وتبقى نقطة يحسن الاعتراف بها منذ البداية: الكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) تمارس تكريما ظاهرا للصليب، بينما تميل الكنائس الإنجيلية إلى استعماله رمزًا من غير تكريم طقسي. وهذا الاختلاف في الممارسة هو ما يجعل السؤال مشروعًا ويستحق شرحًا أوسع.

لماذا يطرح كثيرون هذا السؤال؟

ما يراه الناس من الخارج

من يدخل كنيسة أرثوذكسية أو كاثوليكية في الجمعة العظيمة قد يرى المصلين يصطفون ليقبلوا صليبا موضوعا أمام المذبح أو في وسط الكنيسة، وقد يسمع ترنيمة تتحدث عن السجود للصليب. ومن يزور بيوت المسيحيين يجد الصليب معلقا فوق الأبواب وفي السيارات وعلى الصدور. ومن يراقب المصلي يلاحظ أنه يرسم علامة الصليب على جسده قبل الصلاة وبعدها. كل هذه مشاهد مألوفة داخل الجماعة المسيحية، لكنها قد تبدو لغير المسيحي أقرب إلى تعظيم شيء مادي منها إلى عبادة إله روحاني.

الاعتراض في أقوى صياغاته

لكي نكون منصفين، لنصغ الاعتراض كما يصوغه أصحابه بأقوى ما يمكن. يقول المعترض إن الوصية الثانية في الشريعة تمنع صناعة تمثال أو صورة لأجل السجود لها: «لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما… لا تسجد لهن ولا تعبدهن» (سفر الخروج 20: 4-5). ويضيف أن المسيحيين، حين يقبلون الصليب وينحنون أمامه ويطلبون بركته ويعلقونه للحماية، يفعلون ما يشبه ما تحذر منه هذه الوصية. ثم يستشهد بقصة الحية النحاسية: فقد صنعها موسى بأمر الله فيها شفاء للمعذبين، لكن بني إسرائيل تحوّلوا لاحقًا إلى إيقاد البخور لها، فحطمها الملك حزقيا (سفر الملوك الثاني 18: 4). ويقول المعترض: أليس الصليب في بعض الممارسات الشعبية قد صار حيّة نحاسية جديدة؟ ثم إن بعض المسيحيين أنفسهم، من الإنجيليين خاصة، يطرحون هذا السؤال على الكنائس التقليدية.

هذا اعتراض جاد ولا يجاب عنه بالسخرية أو التجاهل. وللإجابة عنه يلزمنا أن نعود أولًا إلى ما يقوله الكتاب المقدس نفسه عن الصليب، وعمّن تستحق العبادة.

ماذا يقول الكتاب المقدس عن الصليب؟

الصليب في العهد الجديد: مركز الإعلان لا موضوع العبادة

لا يتحدث العهد الجديد عن الصليب كأنه شيء يعبد، بل كأنه حدث خلاصي. يكتب بولس إلى أهل كورنثوس: «فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله» (رسالة كورنثوس الأولى 1: 18). والمقصود بـ«كلمة الصليب» هنا رسالة الإنجيل عن موت المسيح، لا الأداة الخشبية. وفي رسالة غلاطية يقول: «حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح» (غلاطية 6: 14). لاحظ أن الافتخار هنا ليس بالخشب بل بما أنجزه المسيح عليه.

ويصف بولس في رسالة فيلبي طاعة المسيح فيقول إنه «وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب» (فيلبي 2: 8). فالصليب هنا عنوان التواضع والطاعة. وفي رسالة كولوسي يتحدث عن أن المسيح محا الصك المكتوب علينا وسمّره بالصليب، وجرد الرياسات والسلاطين وأشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (كولوسي 2: 14-15). وفي غلاطية 3: 13 يربط الصليب بالتثنية 21: 23: «المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: ملعون كل من عُلّق على خشبة».

وحين يتأمل الإنجيل بحسب يوحنا في معنى الصليب يستعيد صورة الحية النحاسية نفسها: «وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 14-15). والمعنى أن الخلاص لم يكن في الحية ولا في الخشبة، بل في الله الذي أمر بها وفي الإيمان بوعده. وهذه النقطة تكشف أن مقارنة المعترض بين الصليب والحية النحاسية قد تعمل في الاتجاهين: فهي تحذّر من تحويل الرمز إلى معبود، لكنها أيضا تُظهر أن الرمز نفسه قد يحمل معنى خلاصيًا حقيقيًا طالما بقي موجَّهًا إلى الله.

من تستحق العبادة؟

عندما جرب إبليس يسوع في البرية وطلب منه السجود له، أجابه: «للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد» (متى 4: 10)، وهو اقتباس من سفر التثنية 6: 13. وفي سفر الرؤيا، حين سقط يوحنا ليسجد أمام الملاك الذي أراه الرؤيا، قال له الملاك: «انظر لا تفعل… اسجد لله» (رؤيا 22: 8-9). هذه النصوص تضع قاعدة واضحة تلتزم بها الكنائس كلها نظريًا: العبادة المطلقة لله وحده، ولا يُسجد لمخلوق ولا لشيء مصنوع بقصد التأليه.

وعلى هذا الأساس، فإن أي ممارسة تجاه الصليب تفهم في الإطار المسيحي لا يمكن أن تكون عبادة بالمعنى الكتابي، لأن المسيحية نفسها تعلم أن الصليب ليس إلها. السؤال الحقيقي إذن ليس «هل يعبد المسيحيون الصليب؟» بل «ما هي طبيعة التكريم الذي تقدمه بعض الكنائس للصليب، وهل هو مقبول لاهوتيا؟». وسنعود إلى هذا بعد أن نفهم خلفية الصليب التاريخية.

الصليب في العالم القديم: عار لا زينة

من الصعب على قارئ اليوم أن يتخيل مدى بشاعة الصلب في العالم الروماني. كان الصلب عقوبة تنزل في الغالب بالعبيد والمتمردين والمجرمين الخطرين، وكان يعد مخزيًا إلى درجة أن المواطن الروماني كان معفى منه عمليًا. وقد وصفه الخطيب الروماني شيشرون بأنه من أقسى العقوبات وأبشعها، ودعا إلى إبعاد ذكره عن أسماع المواطنين الرومان. وفي التقليد اليهودي ارتبط التعليق على خشبة باللعنة، كما رأينا في سفر التثنية 21: 23.

لهذا السبب كان إعلان المسيحيين الأوائل عن مسيح مصلوب صادما. يقول بولس إن المسيح المصلوب «لليهود عثرة ولليونانيين جهالة» (كورنثوس الأولى 1: 23). ويصف كاتب الرسالة إلى العبرانيين يسوع بأنه «من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي» (عبرانيين 12: 2). فالخزي كان جزءًا من واقع الصليب، لا يُنكر ولا يُجمَّل.

ومن الشواهد التي تكشف نظرة المحيط الوثني ما يُعرف بـ«رسم الكسندروس»، وهو نقش ساخر عثر عليه على جدار في روما، يظهر شخصًا يرفع يده أمام شكل بشري مصلوب له رأس حمار، مع عبارة تدل على سخرية من عبادة هذا المصلوب. وتختلف تقديرات الباحثين في تأريخه بين القرنين الثاني والثالث تقريبًا. والمهم هنا أن الصلب كان في نظر الوثنيين دليل ضعف وعار، لا رمزًا يُتفاخر به.

وتشير الشواهد الأثرية المتوفرة إلى أن المسيحيين الأوائل لم يجعلوا الصليب رمزًا بصريًا شائعًا في أول قرون الكنيسة، وفضّلوا رموزًا أخرى مثل السمكة والمرساة والراعي الصالح، بينما انتشر الصليب بوضوح أكبر بعد القرن الرابع، حين ألغى الإمبراطور قسطنطين عقوبة الصلب وتغيّرت أوضاع الكنيسة في الإمبراطورية. غير أن هذا لا يعني أن الصليب كان غائبًا عن الوعي المسيحي، فقد كان محور الكرازة منذ البداية، وكان المسيحيون يرشمون به أنفسهم كما تدل كتابات مثل ترتليان في أواخر القرن الثاني وبدايات الثالث.

وهنا نقطة تاريخية مهمة لسؤالنا. فقد اتهم المسيحيون في تلك العصور أنفسهم بأنهم يعبدون الصليب. يرد ترتليان في كتابه «الدفاع» (الفصل 16) على هذه التهمة، ويقول لخصومه الوثنيين إنهم هم الذين يعبدون تماثيل خشبية، فلا يحق لهم أن يعيّروا المسيحيين. وفي كتاب «أوكتافيوس» لمينوشيوس فيلكس (الفصل 29) نجد نفيًا صريحًا: المسيحيون لا يعبدون الصلبان ولا يتمنونها. معنى ذلك أن السؤال الذي نناقشه اليوم قديم جدًا، وأن الكنيسة أجابت عنه مبكرًا بأن العبادة لا تُوجَّه للصليب.

الفرق بين العبادة والتكريم والسجود

السجود في الكتاب المقدس ليس عبادة دائمًا

من النقاط التي يغفل عنها كثيرون أن الانحناء أو السجود في الكتاب المقدس لا يعني دائما العبادة. فالكلمة العبرية «شاخاه» والكلمة اليونانية «بروسكينيسيس» تدلان على الانحناء والخضوع، وقد تستعملان في سياق عبادة الله، وقد تستعملان في سياق الاحترام بين البشر. فإبراهيم «سجد لشعب الأرض لبني حث» عندما كان يشتري مغارة المكفيلة (سفر التكوين 23: 7)، ويعقوب «سجد إلى الأرض سبع مرات» أمام أخيه عيسو (التكوين 33: 3)، وفي أيام داود «جثا كل الجماعة وسجدوا للرب وللملك» (أخبار الأيام الأول 29: 20). لم يكن أحد من هؤلاء يعبد بشرًا، لكن الفعل نفسه استخدم مع الله ومع الإنسان، وما يميّز المعنى هو القصد والسياق.

ومن هنا تأتي التفرقة التقليدية في اللاهوت المسيحي بين ثلاثة مستويات: العبادة (وتسمى باليونانية «لاترايا») وهي لله وحده، والتكريم (ويُسمى «دوليا» أو «تيمي») وهو احترام يقدم لما يرتبط بالله أو لمن أكرمهم الله، ثم الاحترام الاجتماعي العادي. وهذه التفرقة ليست اختراعا متأخرًا لتبرير الممارسة، لكنها محاولة لتفسير ما تدل عليه اللغة الكتابية نفسها.

مجمع نيقية الثاني: إقرار صريح بالتمييز

في عام 787م عقد مجمع نيقية الثاني، وهو من المجامع التي تعترف بها الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية، لمعالجة الجدل حول الأيقونات. وقد صاغ المجمع تمييزا واضحًا بين التكريم الذي يليق بالأيقونات وبصورة الصليب المقدس، وبين العبادة الحقيقية التي لا تليق إلا بالله وحده. ومعنى ذلك أن الكنائس التي تكرم الصليب لا تدّعي بحسب تعليمها الرسمي أنها تعبده، بل تقول إن الكرامة تنتقل من الصورة إلى الأصل، أي إلى المسيح الذي يرمز إليه الصليب. وهذا موقف يمكن أن يختلف معه المرء أو يناقشه، لكن الأمانة تقتضي أن نعرضه كما تقدّمه الكنائس نفسها.

وجدير بالذكر أن هذا لا يعني أن كل تعبير ليتورجي أو شعبي يفهم بالطريقة نفسها عند كل المصلين. فالتعليم الرسمي شيء، وما يفهمه عامة الناس أحيانًا شيء آخر، وهذا ما سنتناوله لاحقًا.

كيف تنظر الكنائس المختلفة إلى الصليب؟

الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والمشرقية

يحتل الصليب مكانة بارزة في العبادة الأرثوذكسية، سواء عند الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (البيزنطية) أو الكنائس الأرثوذكسية المشرقية (القبطية والسريانية والأرمنية والإثيوبية وغيرها). ففيها عيد الصليب في الرابع عشر من أيلول (سبتمبر)، وعيد آخر في أوقات مختلفة بحسب التقليد، ويرسم المؤمن علامة الصليب مرارا في الصلاة. وتتضمن الترانيم عبارات تتحدث عن السجود «أمام صليبك»، لكن سياقها يشير إلى أن الموجَّه إليه السجود هو المسيح الذي صُلب عليه. وتشرح هذه الكنائس أن لفظ السجود في لغتها الليتورجية يقابل «بروسكينيسيس» التي ذكرنا أنها قد تعني الإكرام والخضوع، وأن العبادة بمعناها الحصري تُقدَّم لله الثالوث وحده.

الكنيسة الكاثوليكية

في الكنيسة الكاثوليكية تُقام في الجمعة العظيمة مراسم «إكرام الصليب» حيث يتقدم المصلون لتقبيله أو الانحناء أمامه. وتفرّق الكنيسة بين العبادة التي تعطى لله وحده، والإكرام الذي يُقدَّم للأيقونات والصور المقدسة. فالتعليم الكنسي الكاثوليكي، في بند 2132، يقول إن الإكرام المقدَّم للصور المقدسة هو احترام لا العبادة الواجبة لله وحده، وإن هذا الإكرام يتجه إلى الشخص الذي تمثله الصورة. وقد ناقش اللاهوتيون الكاثوليك، ومنهم توما الأكويني، كيف يتصل الإكرام الموجَّه إلى الصليب بالمسيح نفسه، وهي مسألة دقيقة تُدرس في اللاهوت الأسراري والتعبدي.

الكنائس البروتستانتية والإنجيلية

تختلف المواقف داخل هذه العائلة الواسعة. فاللوثريون والأنجليكان يستخدمون الصليب في كنائسهم عادة، أما كثير من الإنجيليين والمعمدانيين فيكتفون بصليب فارغ بسيط كرمز، ولا يمارسون الانحناء أو التقبيل. ويتحفظ عدد من الإصلاحيين على أي تكريم طقسي للأشياء المادية، لأنهم يخشون أن يتحول الرمز مع الزمن إلى مادة للتعلق الروحي، فيتذكرون قصة «نحوشتان». وتلتقي هذه الكنائس مع التقليدية في الإيمان بأن الصليب ليس إلهًا، لكنها تختلف عنها في الممارسة. وعليه فإن من يسأل عن موقف الكنائس الإنجيلية سيجد جوابًا مختلفًا عن جواب الأرثوذكسية أو الكاثوليكية، وهذا الاختلاف مشروع داخل المسيحية ويستحق أن يُذكر بصراحة.

هل في هذه الممارسات خطر الوثنية؟

يستحق هذا السؤال جوابا صريحا، لا دفاعا آليا. تعليم الكنائس شيء، وممارسات الناس شيء آخر. فقد يحدث أن يتعامل بعض المؤمنين مع الصليب كأنه تميمة تحمي بذاتها، أو يعتقدون أن القطعة المعدنية نفسها لها قوة سحرية، وهذا انحراف تحذر منه الكنائس نفسها. وقصة النحاس في سفر الملوك الثاني 18 تذكرنا بأن الشيء الذي بدأ بأمر من الله يمكن أن يتحول، حين ينسى الناس مقصده، إلى فخ. ولهذا فإن الكنائس الإنجيلية حين تتحفظ على التكريم الطقسي إنما تستند إلى حرص مشروع، ولا يصح تجاهل هذا الحرص.

من جهة أخرى، فإن الفرق بين الوثن والرمز ليس في الشكل الخارجي بل في الوجهة والمعنى. ففي الوثنية يعتقد أن الإله يسكن التمثال أو أن التمثال بذاته ينفع ويضر. أما في التعليم المسيحي فالصليب لا يحمل قوة بذاته، والمسيح المصلوب هو الذي يخلص، لا الخشب. والفرق الآخر أن الصليب في الأصل لا يمثل إلها يقرب منه القرابين، بل يذكر بحدث تاريخي هو موت المسيح وقيامته، كما يذكّر الناس بالصور التذكارية بأحداث وأشخاص من غير أن يعبدوها.

ولهذا يمكن القول إن الخلاف الحقيقي بين المسيحيين أنفسهم ليس هل يُعبد الصليب (فالإجماع على أنه لا يعبد)، بل ما هو الحد المناسب للتكريم الرمزي، وكيف نضمن ألا يتحول إلى تعلق بالشيء بدل التعلق بالله. وهي مسألة تأمل ومراجعة مستمرة داخل الكنائس.

لماذا يظل الصليب مركزيا في الإيمان المسيحي؟

يظل الصليب في قلب الإيمان المسيحي لأنه يلخص الإنجيل نفسه. يقول بولس في رسالة رومية 5: 8 إن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. ويلخص في كورنثوس الأولى 15: 3-4 الإنجيل الذي تسلّمه وسلّمه: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دفن وقام في اليوم الثالث. ولا ينفصل الصليب هنا عن القيامة، فالصليب بلا قيامة يكون هزيمة، والقيامة بلا صليب تفقد معنى الفداء. ولهذا يميل كثير من المسيحيين، ولا سيما في التقليد الإنجيلي، إلى الصليب الفارغ كإشارة إلى أن المسيح قام، بينما يميل آخرون إلى الصليب الذي عليه جسد المسيح للتذكير بالثمن المدفوع.

والصليب كذلك دعوة للتلمذة. يقول يسوع: «من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مرقس 8: 34). وهنا يصبح الصليب أسلوب حياة، وبولس يقول: «مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 20). فمن يتأمل الصليب بوصفه دعوة إلى التواضع والبذل ومحبة الآخرين لا يمكن أن يختزله في قطعة تُعبد.

الصليب في الحياة اليومية للمسيحي

يرسم المسيحي علامة الصليب عند الصلاة، أو يضع الصليب في بيته، أو يلبسه حول عنقه. وفي كل ذلك يقصد التذكر والاعتراف: أنه ينتمي إلى المسيح المصلوب والقائم. والأمر شبيه بمن يحتفظ بصورة عزيزة، فهو لا يعبد الورق بل يتذكر صاحبها. وحين ينصح المؤمن بألا يتخذ الصليب تميمة، فذلك لأن الإيمان المسيحي يريد أن يبقى القلب معلّقًا بالله لا بالشيء. وهذه الغاية هي ما يميز الاستعمال السليم عن الاستعمال المنحرف، في أي كنيسة وفي أي ثقافة.

الخاتمة: هل يعبد المسيحيون الصليب؟

يمكن تلخيص الجواب عن سؤال «هل يعبد المسيحيون الصليب؟» بأن الفرضية نفسها تحتاج إلى تصحيح: المسيحيون لا يعبدون الصليب. الكتاب المقدس يحصر العبادة في الله وحده، والكنائس جميعها تتفق على ذلك نظريا. وما يقع من اختلاف إنما هو في طريقة التكريم الرمزي، بين كنائس ترى في الإكرام وسيلة مشروعة للتعبير عن المحبة للمسيح، وكنائس ترى أن الرمز يكفي من غير طقس. وفي الحالتين يبقى الصليب علامة على محبة الله التي بلغت حد الموت، وعلى انتصار المسيح الذي حوّل أداة العار إلى رمز للرجاء.

وإذا أراد القارئ أن يحكم على الممارسة المسيحية فليسأل: إلى أين يتجه قلب المصلي؟ إن كان إلى المسيح الحي فهذا هو الإيمان كما يعلمه الكتاب المقدس، وإن انحرف إلى الاتكال على الشيء نفسه فهذا ما تحذر منه الكنيسة وينبه عليه الكتاب. والصليب في النهاية لا يطلب أن يعبد، بل يشير إلى من يستحق العبادة وحده.

الأسئلة الشائعة حول هل يعبد المسيحيون الصليب

هل يعبد المسيحيون الصليب؟

لا. العبادة في المسيحية لله وحده، والصليب رمز يذكّر بموت المسيح وقيامته. قد تُكرّمه بعض الكنائس، لكن ذلك لا يُعدّ عبادة بحسب تعليمها الرسمي.

لماذا يقبّل بعض المسيحيين الصليب؟

لأنهم يعبرون به عن محبتهم للمسيح وشكرهم على الفداء، كما يقبّل الإنسان صورة عزيزة. يعتقدون أن التكريم ينتقل من الرمز إلى المسيح نفسه، وليس إلى الخشب.

هل الصليب وثن بحسب الوصية الثانية؟

الوصية تمنع صناعة التماثيل للسجود لها وعبادتها (خروج 20: 4-5). وترى الكنائس التي تستخدم الصليب أن العبادة هي المقصودة بالمنع، وأن الرمز التذكاري لا يدخل في ذلك، كما أن الله نفسه أمر بصناعة الحية النحاسية والكروبيم. ويرى بعض البروتستانت أن التحفظ أولى، وهو رأي محترم داخل المسيحية.

ما الفرق بين العبادة والتكريم؟

العبادة (لاترايا) خضوع كامل يليق بالله وحده. أما التكريم (دوليا) فاحترام لما يرتبط بالله أو لمن أكرمهم، وقد يكون انحناءً أو تقبيلًا من غير تأليه، كما في سجود إبراهيم لبني حث في التكوين 23: 7.

ما معنى الصليب في المسيحية؟

يرمز إلى موت المسيح فداءً عن البشر، وإلى انتصاره على الخطية والموت، وإلى دعوته لأتباعه إلى حمل الصليب بالتواضع والمحبة (مرقس 8: 34).

لماذا يضع بعض المسيحيين صليبًا فارغًا وآخرون صليبًا عليه جسد؟

الصليب الفارغ يشير إلى القيامة، والصليب الذي عليه جسد المسيح (الصلبوت) يذكر بالآلام والفداء. والاختلاف في التركيز لا في العقيدة الأساسية.

هل كان المسيحيون الأوائل يستخدمون الصليب؟

كان الصليب حاضرا في الكرازة منذ البداية (كورنثوس الأولى 1: 18)، لكن انتشاره البصري الواضح زاد بعد القرن الرابع. وكانت علامة الصليب ترسم على الجسد في الصلاة كما يظهر عند ترتليان.

هل صنع الصليب جزء من الإيمان الأساسي أم من التقليد؟

التركيز على موت المسيح على الصليب جزء أساسي من الإيمان بحسب العهد الجديد، أما الطقوس المرتبطة بتكريم الصليب فهي من التقليد الكنسي، وتختلف فيها الكنائس.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات بحساب الفايسبوك

مواضيع ذات صلة

أحدث المقالات

صفحتنا على الفايسبوك

قناتنا على اليوتيوب

شارك في القناة: